القاضي التنوخي
105
الفرج بعد الشدة
ثيابي ، وأدخلني إليه ، فسلّمت ، وجلست . فقال لي : أتدري لم استدعيتك ؟ قلت : لا . قال : أنت رجل عربيّ ، ومن المحال أن أستودعك أمانة فتخفرها [ 86 م ] ، ولا سيّما مع منّي عليك بنفسك . فقلت : هو ذاك . فقال : إنّي فكّرت ، فإذا لا طائل في قتلك ، وأنا في نفسي رسالة إلى المعتضد ، لا يجوز أن يؤدّيها غيرك ، فرأيت إطلاقك ، وتحميلك إيّاها ، فإن حلفت لي أنّك تؤدّيها ، سيّرتك إليه . فحلفت له . فقال : تقول له : يا هذا لم تخرق هيبتك ، وتقتل رجالك ، وتطمع أعداءك في نفسك ، وتتعبها في طلبي ، وإنفاذ الجيوش إليّ ، وإنّما أنا رجل مقيم في فلاة ، لا زرع فيها ولا ضرع ، ولا غلّة ، ولا بلد ، وقد رضيت لنفسي بخشونة العيش ، والأمن على المهجة ، والعزّ بأطراف الرماح ، وما اغتصبتك بلدا كان في يدك ، ولا أزلت سلطانك عن عمل جليل ، ومع هذا ، فو اللّه لو أنفذت إليّ جيشك [ 85 ظ ] كلّه ، ما جاز أن تظفر بي ، ولا تنالني ، لأنّي رجل نشأت في هذا القشف « 5 » واعتدته أنا ورجالي ، ولا مشقّة علينا فيه ، ونحن في أوطاننا مستريحون ، وأنت تنفذ جيشك من الخيوش والثلج « 6 » ، والريحان والندّ ، فيجيئون من المسافة [ 117 غ ] البعيدة ، والطريق الشاسع « 7 » ، وقد قتلهم السفر قبل قتالنا ، وإنّما غرضهم أن يبلوا عذرا في مواقفتنا ساعة ، ثمّ يهربون ، وإن ثبتوا فإنّ ما يلحقهم
--> ( 5 ) القشف : ضد التنعّم . ( 6 ) يريد بالخيوش والثلج : عيشة الترف والتنعّم ، راجع بحث الخيش في حاشية القصّة 143 . ( 7 ) في غ : الطريق الشاق .